“قلب حلب”.. مشروع استثماري لإعادة صياغة مركز المدينة

شبكة ودق الإعلامية – حلب

في مسار التعافي الاقتصادي لمدينة حلب، جرى توقيع مذكرة تفاهم لإطلاق مشروع “قلب حلب” في منطقة باب جنين، على مقربة من قلعة حلب وأسواقها التاريخية. الحدث الذي حضره نائب محافظ حلب فواز هلال ورئيس فرع هيئة الاستثمار السورية في المحافظة المهندس حازم لطفي، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل إعلاناً عن رؤية استثمارية تسعى إلى إعادة صياغة مركز المدينة بوصفه رافعة اقتصادية وسياحية متجددة.

المذكرة وُقّعت بين مجلس مدينة حلب ممثلاً برئيسه المهندس طلال الجابري، وغرفة تجارة حلب برئاسة محمد سعيد شيخ الكار، إلى جانب الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، وخزانة التقاعد في نقابة المهندسين – فرع حلب، إضافة إلى مجموعة باكير بصفتها الشريك الاستثماري. هذا التعدد في الأطراف يعكس طبيعة المشروع المركبة، التي تجمع بين القطاع العام والفعاليات الاقتصادية والمهنية والقطاع الخاص في إطار شراكة تستهدف تحريك مركز المدينة على أسس حديثة.

جوهر المشروع يتمثل في إنشاء مجمع متعدد الاستخدامات يُطلق عليه “السوليدير العصري”، في إشارة إلى نموذج عمراني متكامل يجمع بين التجارة والخدمات والسكن والاستثمار ضمن كتلة حضرية واحدة. المخطط يتضمن محال تجارية بمواصفات حديثة، وطوابق مكتبية للشركات، وشققاً سكنية ذات طابع استثماري، إضافة إلى عيادات طبية متخصصة ومواقف سيارات وساحات عامة ونوافير وممرات تسوق منظمة. غير أن البعد الأهم في هذا المجمع لا يكمن فقط في بنيته الإسمنتية، بل في تخصيص أقسام للصناعات الحلبية التقليدية والإبداعية، بما يحفظ حضور الحرف المحلية في قلب التحديث العمراني بدلاً من تهميشها.

باب جنين، الذي شكّل تاريخياً عقدة تجارية وحضرية تربط أسواق المدينة القديمة بمحيطها الحديث، يستعيد في هذا المشروع مكانته كمفصل اقتصادي. فإلى جانب المجمع الجديد، يتضمن المخطط إعادة تأهيل “فندق الأمير” سابقاً ليعود إلى العمل بفئة أربع نجوم تحت علامة وطنية، بما يعزز الطاقة الفندقية في مركز المدينة ويخدم رجال الأعمال والسياح على حد سواء. هذا التوجه يعكس إدراكاً لأهمية قطاع الضيافة في تحريك الدورة الاقتصادية، سواء عبر خلق فرص عمل مباشرة أو عبر تنشيط سلاسل الإمداد المرتبطة به.

كما يشمل المشروع تطوير مبنى باب جنين ليصبح مركزاً متخصصاً لبيع الذهب والمجوهرات ومقراً رئيسياً للصياغة التقليدية والحديثة. هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية واقتصادية في آن واحد، إذ إن حلب لطالما اشتهرت بحرفيي الذهب وصياغته، وإعادة تجميع هذه المهنة في مركز منظم وحديث يمنحها دفعة تنافسية ويعزز قدرتها على استقطاب الزبائن من داخل المدينة وخارجها. إلى جانب ذلك، سيضم المبنى مكاتب تجارية ذكية وقاعة متعددة الاستخدامات مجهزة بأحدث المعايير، ما يفتح المجال لاستضافة فعاليات اقتصادية ومعارض متخصصة.

أرض نقابة المهندسين تدخل بدورها في نطاق التطوير، عبر إنشاء عشرة طوابق فندقية بتصميم أجنحة فاخرة وتشغيلها بعلامة وطنية من فئة أربع نجوم، مع اعتماد أنظمة تحكم ذكية وتقنيات حديثة وربط تشغيلي بالتطبيقات الرقمية. هذا البعد التقني يعكس محاولة لدمج مفاهيم الإدارة الذكية في المشاريع الجديدة، بما يتماشى مع التحولات العالمية في إدارة المرافق والخدمات.

ولا يقتصر المشروع على الأبنية الجديدة، بل يتعداه إلى إعادة توظيف عدد من المباني القائمة ضمن نطاقه لتصبح مقاراً لشركات كبرى، ومقراً لبنك دولي، ومركزاً طبياً تجميلياً، ومركزاً للتداول المالي. هذه العناصر مجتمعة ترسم ملامح حي أعمال متكامل في قلب المدينة، قادر على استقطاب رؤوس أموال وخدمات نوعية، ومؤهل ليكون نقطة جذب للاستثمارات المحلية والخارجية.

من منظور اقتصادي كلي، يحمل “قلب حلب” رهانات متعددة. فهو يسعى إلى خلق فرص عمل مباشرة في قطاع البناء والتشييد، وأخرى دائمة في مجالات التجارة والفندقة والخدمات الطبية والمالية. كما يهدف إلى رفع قيمة العقارات في المنطقة وتنشيط الحركة الشرائية، الأمر الذي ينعكس على إيرادات المدينة والأنشطة المحيطة. وفي الوقت نفسه، يشكل المشروع اختباراً لقدرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص على إنتاج نموذج تنموي متوازن يراعي خصوصية الموقع التاريخي ويستجيب لمتطلبات الاستثمار الحديث.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق انسجام عمراني يحترم الطابع التاريخي للمنطقة القريبة من القلعة والأسواق العريقة، من دون الوقوع في فخ القطيعة البصرية أو الوظيفية مع النسيج القديم. نجاح المشروع لن يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الطوابق المشيدة، بل بقدرته على إعادة الروح إلى مركز المدينة، وجعل باب جنين مساحة نابضة بالحياة على مدار اليوم، تجمع بين الحرفي التقليدي ورجل الأعمال، وبين السائح والمتسوق المحلي.

“قلب حلب” ليس مجرد اسم لمشروع عقاري، بل عنوان لمرحلة تسعى فيها المدينة إلى استعادة دورها كمركز اقتصادي شمالي مؤثر. وبين الطموح والواقع، تبقى الأنظار موجهة إلى كيفية تنفيذ هذه الرؤية على الأرض، ومدى قدرتها على تحويل الشعارات المرفوعة حول الاستثمار والتنمية المستدامة إلى نتائج ملموسة يشعر بها سكان حلب وزوارها على حد سواء.

اترك تعليقا