السلوك الأمريكي الأحادي وتفكك بنية النظام الدولي
- ودق - Wadaq
- يناير 3, 2026
- سياسة, عالمي
- 0 Comments
تشهد السياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة الراهنة تحوّلًا نوعيًا في نمط السلوك الدولي، يتمثل في تصاعد النزعة الأحادية وتراجع الالتزام العملي بقواعد القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن فائض قوة، بل بوصفه مؤشرًا على أزمة بنيوية تعاني منها الهيمنة الأمريكية في سياق نظام دولي يشهد انتقالًا تدريجيًا نحو تعددية قطبية غير مكتملة المعالم.
الأحادية الأمريكية في سياق التراجع النسبي للهيمنة
وفق أدبيات العلاقات الدولية، تمرّ القوى المهيمنة عادة بمرحلة “التراجع النسبي” (Relative Decline) عندما تبدأ الفجوة بين قدراتها المادية وقدرتها على فرض القواعد في الاتساع. في هذا السياق، يُلاحظ أن الولايات المتحدة باتت أقل قدرة على إنتاج إجماع دولي حول تحركاتها، ما يدفعها إلى الاعتماد المتزايد على أدوات القوة الصلبة، متجاوزة الأطر القانونية والمؤسسية التي ساهمت هي نفسها في تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية.
التحرك الأمريكي الأخير في فنزويلا يندرج ضمن هذا الإطار؛ إذ يعكس سلوكًا تدخليًا يتجاهل مبدأ سيادة الدول ويؤشر إلى تراجع فاعلية آليات الضبط الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن والمؤسسات الأممية ذات الصلة.
التوقيت الاقتصادي ودلالاته السياسية
يكتسب هذا التحرك دلالات إضافية إذا ما قُرئ في ضوء السياق الاقتصادي، فالتراجع الملحوظ في أداء الدولار، وما يرافقه من نقاشات متزايدة حول “إزالة الدولرة” (De-dollarization) يعكس اهتزازًا نسبيًا في الثقة بالاقتصاد الأمريكي وبقدرة واشنطن على الحفاظ على موقع عملتها كمرتكز أساسي للنظام المالي العالمي.
في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي غالبًا ما تلجأ القوى المهيمنة عند اهتزاز أدواتها الاقتصادية إلى تعويض ذلك عبر تصعيد سياسي أو عسكري، في محاولة لإعادة إنتاج الردع وتعزيز صورة القوة، ومن هذا المنطلق يمكن تفسير العملية الأمريكية بوصفها رسالة ردعية موجهة للخارج أكثر مما هي استجابة لتهديد مباشر.
الانعكاسات الجيوسياسية على المنطقة العربية
تاريخيًا، ارتبطت التحولات الكبرى في النظام الدولي بإعادة ترتيب مناطق النفوذ في الشرق الأوسط، نظرًا لموقعه الجيوسياسي الحساس وارتباطه بأسواق الطاقة والممرات البحرية والصراعات المزمنة، ومع تزايد الضغوط الاستراتيجية على الولايات المتحدة في أكثر من مسرح دولي تبرز المنطقة العربية مجددًا كساحة مرشحة لتحمّل جزء كبير من كلفة هذا التحول سواء عبر تصعيد الصراعات القائمة أو إعادة هندسة التحالفات الإقليمية.
في هذا السياق لا تبدو التدخلات الأمريكية معزولة أو ظرفية، لكنها تأتي ضمن نمط أوسع من إدارة الأزمات بدل حلّها بما ينسجم مع مرحلة انتقالية تتسم بغياب توازن مستقر للقوى.
نحو نظام دولي أقل انضباطًا
ما يشهده العالم اليوم لا يمكن توصيفه بانتقال من نظام أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب بالمعنى العام، إنما إلى مرحلة وسطى تتسم بما يُعرف بـ”الفوضى النظامية” (Systemic Disorder) حيث تتراجع القواعد الناظمة لاستخدام القوة دون أن تنجح قوى بديلة في فرض منظومة قواعد جديدة.
في هذه المرحلة تصبح الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي عرضًا لبنية دولية مأزومة لا استثناءً عنهاوويزداد خطر الانزلاق نحو صراعات غير محسوبة، نتيجة غياب آليات ردع متوافق عليها دوليًا.

