شركة طيران مشتركة بين طيران ناس وسورية: كيف يمكن أن تعيد رسم خريطة النقل والسياحة في الاقتصاد السوري؟
خاص ودق – الباحث محمد الاقتصادي محمد السلوم
تُعد شركة طيران ناس (flynas) واحدة من أبرز نماذج الطيران الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، حيث استطاعت خلال أقل من عقدين ترسيخ موقعها كشركة رائدة في هذا القطاع، مستفيدة من ديناميكية سوق الطيران السعودي وتحولات رؤية المملكة 2030 التي تراهن على الطيران والسياحة كقاطرة للتنويع الاقتصادي.
ومنذ انطلاقتها في عام 2007 كأول ناقل جوي منخفض التكلفة في المملكة، واصلت طيران ناس توسعها في الأسطول والشبكة التشغيلية والوجهات الدولية، حتى باتت اليوم لاعباً رئيسياً في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للطيران المدني، التي تستهدف نقل 330 مليون مسافر سنوياً وربط المملكة بـ 250 وجهة دولية بحلول 2030.
الاتفاقية الجديدة لإنشاء شركة طيران مشتركة مع الشريك السوري تمثل امتداداً لهذا التوجه التوسعي، وتفتح مجالاً لفرص اقتصادية واعدة على الجانب السوري، خصوصاً في قطاع النقل الجوي والخدمات المرتبطة به، إذا ما أحسن تصميمها وتنفيذها في بيئة تنظيمية مستقرة.
أداء طيران ناس التشغيلي ودورها في استراتيجية الطيران السعودية
١- نمو لافت في عدد المسافرين والأسطول
أعلنت طيران ناس عن تسجيل أداء تاريخي في عام 2023، بعد أن نقلت أكثر من 11.1 مليون مسافر، بنمو تجاوز 28% مقارنة بعام 2022، مدفوعة بالتوسع في السعة المقعدية وزيادة عدد الطائرات والوجهات.
خلال الفترة نفسها، ارتفع أسطول الشركة إلى ما يزيد على 50 طائرة (معظمه من عائلة إيرباص A320)، مع زيادة في عدد الطائرات بنسبة تقارب 19% في النصف الأول من 2023، ما انعكس على نمو الطاقة الاستيعابية بنسبة 19%، وعدد المسافرين بنسبة 26% إلى نحو 5 ملايين مسافر في النصف الأول من ذلك العام.
وفي الربع الأول من 2024، واصلت الشركة مسارها الصعودي، إذ استقبلت 3.7 ملايين مسافر على رحلاتها، بزيادة 51% مقارنة مع الفترة نفسها من 2023، مع زيادة في السعة المقعدية بنسبة 43%، ونمو قوي في كل من الرحلات الداخلية والدولية.
كما أظهرت النتائج نصف السنوية لعام 2024 (النصف الأول) تجاوز عدد المسافرين 7 ملايين مسافر، بزيادة 47% عن الفترة نفسها من 2023، ما يرسّخ موقع طيران ناس كأحد أسرع شركات الطيران الاقتصادي نمواً في المنطقة.
٢- الارتباط برؤية 2030 والاستراتيجية الوطنية للطيران
تلعب طيران ناس دوراً محورياً في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للطيران في المملكة، التي تهدف لجعل السعودية مركزاً إقليمياً ودولياً للنقل الجوي، مع استهداف نقل نحو 330 مليون مسافر سنوياً وجذب استثمارات في القطاع تقدر بنحو 100 مليار دولار بحلول 2030.
وتنسجم خطط الشركة في التوسع بالأسطول والشبكة مع هذه الأهداف، حيث تواصل إضافة وجهات جديدة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، والتوسع في القواعد التشغيلية داخل المملكة لتعزيز الربط الداخلي والدولي ودعم قطاعي السياحة والحج والعمرة.
الجوائز والمكانة التنافسية لطيران ناس
حصدت طيران ناس عدداً من الجوائز الدولية التي تعكس تميزها في نموذج الطيران الاقتصادي، من بينها جوائز من سكاي تراكس ومن جوائز السفر العالمية (World Travel Awards)، حيث جرى تتويجها لعدة سنوات كأفضل شركة طيران اقتصادي في الشرق الأوسط، مع تقدمها ضمن قائمة أفضل شركات الطيران الاقتصادي عالمياً.
كما تُبرز تصريحات إدارة الشركة أن هذا الاعتراف العالمي يرتبط مباشرة باستراتيجية التوسع في الأسطول والشبكة، وتحسين تجربة المسافرين ضمن نموذج منخفض التكلفة، بما يسمح بمنافسة لاعبين إقليميين ودوليين في هذه الشريحة من السوق.
هذه المكانة التنافسية تمنح طيران ناس قدرة أكبر على الدخول في شراكات إقليمية، مثل مشاريع شركات الطيران المشتركة أو إنشاء قواعد تشغيل خارجية، ما يخلق نموذجاً يمكن أن يمتد إلى أسواق ناشئة تحتاج إلى خبرة تشغيلية وانضباط مالي، كما هو حال السوق السوري إذا تهيّأت الظروف التنظيمية والسياسية المناسبة.
الاتفاقية مع الجانب السوري – الإطار العام والملامح المتوقعة
طبيعة الاتفاقية ونموذج الشراكة
الاتفاقية المعلن عنها بين طيران ناس والجانب السوري لإنشاء شركة طيران مشتركة تمثّل نموذجاً لـ «الاستثمار المشترك في النقل الجوي»، حيث يُرجّح أن تقوم على هيكل ملكية يمنح الشريك السوري حصة أغلبية تنظيمية (مثلاً 51%) بما يتوافق مع الأنظمة الوطنية للطيران المدني، مع احتفاظ طيران ناس بحصة مؤثرة تسمح بنقل نموذجها التشغيلي وخبرتها في إدارة شركة منخفضة التكلفة.
هذا النوع من الهياكل معمول به في العديد من أسواق الطيران، إذ يسمح بدخول خبرة أجنبية دون المساس بالسيادة على حقوق النقل الوطنية (Traffic Rights)، ويمنح الشركة الجديدة قدرة على الاستفادة من اتفاقيات الأجواء المفتوحة أو الثنائية بين البلدين، وربما لاحقاً بين سورية ودول أخرى.
من المتوقع أن تنطلق عمليات الشركة الجديدة تدريجياً، بدءاً برحلات تربط المدن السورية الرئيسية (مثل دمشق أو حلب عند الجاهزية التشغيلية) بالمدن السعودية (الرياض، جدة، الدمام، المدينة المنورة)، ثم التوسع لاحقاً إلى وجهات إقليمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا وربما بعض العواصم الأوروبية ذات الجاليات السورية الكبيرة، مع مراعاة قيود الأجواء والاتفاقيات الثنائية.
الجدول الزمني والمرحلة الانتقالية
بما أن الاتفاقية حديثة نسبياً، يمكن توقع فترة تحضير تمتد من 12 إلى 24 شهراً قبل الوصول إلى تشغيل كامل، تتضمن:
– الحصول على التراخيص اللازمة من سلطات الطيران المدني في البلدين.
– تجهيز البنية التحتية في المطارات السورية المختارة (صالات، أنظمة أرضية، خدمات ملاحية وأمنية).
– تدريب الكوادر السورية على معايير التشغيل والسلامة الخاصة بطيران ناس وتحالفاتها الفنية.
– وضع استراتيجية تدريجية للشبكة والأسعار بما يضمن ملاءمة القدرة الشرائية وظروف السوق المحلية.
اعتماداً على هذه الخطوات، يمكن تقدير أن السنة الأولى للتشغيل ستشهد تركيزاً أكبر على الربط الثنائي (سورية–السعودية)، مع نمو تدريجي في عدد الرحلات والوجهات مع تحسّن الطلب واستقرار البيئة التشغيلية.
المكاسب المتوقعة للجانب السوري
تحسين الربط الجوي وخفض تكاليف السفر
– إعادة الربط المنتظم بين المدن السورية الرئيسية والمدن السعودية سيُحسن من فرص السفر للعمل والعلاج والتعليم وزيارة العائلات، إضافة إلى حركة رجال الأعمال والمستثمرين.
– تشغيل نموذج طيران اقتصادي منخفض التكلفة يساهم عادة في خفض متوسط أسعار التذاكر مقارنة بالنقل الجوي التقليدي، ما يرفع مرونة الطلب ويُشجّع شرائح جديدة من المسافرين على استخدام الطيران بدلاً من الوسائل البرية أو شركات أخرى أعلى تكلفة.
– على المدى المتوسط، ومع زيادة عدد الرحلات، يمكن أن يتحول أحد المطارات السورية (مثل حلب أو دمشق) إلى نقطة ربط ثانوية (Mini-hub) لربط مسافرين من المنطقة نحو المملكة والعكس، مستفيداً من شبكة طيران ناس المتنامية المرتبطة بأهداف الاستراتيجية السعودية (250 وجهة، 330 مليون مسافر).
تنشيط السياحة والقطاعات الخدمية
– دخول شركة طيران اقتصادية ذات علامة تجارية معروفة في المنطقة سيساهم في تحسين صورة سورية كوجهة قابلة للوصول، ما ينعكس إيجاباً على السياحة الدينية والثقافية والعائلية، وخاصة من دول الخليج.
– تنشيط السياحة يخلق طلباً متزايداً على الفنادق، المطاعم، النقل البري، الخدمات السياحية، ما يحرك النشاط في قطاعات عديدة مرتبطة بالاقتصاد المحلي (من الغذاء والضيافة إلى الحرف والخدمات السياحية الصغيرة).
– في حال نجحت الشركة المشتركة في فتح خطوط إلى وجهات ثالثة (مثل إسطنبول، القاهرة، دبي، الدوحة، أو بعض العواصم الأوروبية) عبر سورية، يمكن أن تستفيد البلاد من جزء من حركة الترانزيت، وإن كانت محدودة مقارنة بالمراكز الخليجية الكبرى، لكنها كافية لتعزيز إيرادات المطارات والخدمات المساندة.
خلق فرص عمل وبناء قدرات بشرية
– تشغيل شركة طيران جديدة يتطلب مئات الوظائف المباشرة (أطقم طيران، فنيين، موظفي مطارات، مبيعات، خدمة عملاء، إدارة، أمن وسلامة)، إلى جانب آلاف الوظائف غير المباشرة في الخدمات الأرضية، التموين، الصيانة، النقل، السياحة.
– يمكن الاتفاق على برامج تدريب مشتركة بين طيران ناس والمؤسسات السورية المختصة لبناء كوادر محلية في مجالات: إدارة العمليات الجوية، التخطيط الشبكي، التسعير والإيرادات، التسويق الرقمي، السلامة الجوية، وإدارة الجودة.
– على المدى الطويل، يسهم هذا في رفع مستوى المعرفة التقنية والإدارية في قطاع الطيران السوري، ويقلل من الاعتماد على الخبرات الخارجية باهظة التكلفة.
تدفقات استثمارية بالعملة الصعبة وتحديث البنية التحتية
– دخول شريك طيران سعودي ضمن خطة أوسع للاستثمار في قطاع الطيران السوري يمكن أن يساهم في جذب تمويلات لتحديث المطارات، أنظمة الملاحة، الخدمات الأرضية، ما ينعكس على كفاءة قطاع النقل الجوي ككل.
– هذه الاستثمارات، حتى وإن بدأت بأحجام متوسطة، تُعد مهمة في بيئة تعاني من محدودية الموارد العامة، إذ توجّه جزءاً من الإنفاق الاستثماري نحو بنية تحتية ذات تأثير مضاعَف على قطاعات أخرى (تجارة، سياحة، خدمات).
– كما أن نجاح المشروع يمكن أن يشجع مستثمرين آخرين – من السعودية أو دول أخرى – على دخول السوق السورية في مجالات مكمّلة مثل الخدمات اللوجستية، الشحن الجوي، مراكز الصيانة، أو مراكز الاتصال وخدمة العملاء.
تعزيز الاندماج الاقتصادي السوري–السعودي
– الاتفاقية تعطي بعداً عملياً لتحسن العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ تتحول من مستوى التصريحات السياسية إلى مشاريع تشغيلية ملموسة تمس حياة المواطنين والشركات.
– الربط الجوي يسهل حركة رجال الأعمال والمستثمرين، ما يتيح فرص شراكات في قطاعات أخرى مثل السياحة، الطاقة، الاتصالات، الخدمات المالية، والتجارة بالجملة والتجزئة.
– على مستوى الرمزية الاقتصادية، يُظهر دخول شركة سعودية خاصة بحجم طيران ناس ثقة نسبية في إمكانيات السوق السورية على المدى المتوسط، رغم المخاطر، وهو ما يمكن أن تستثمره الحكومة السورية في تحسين بيئة الأعمال وإطلاق إصلاحات تنظيمية تدريجية.
التحديات والمخاطر التي يجب إدارتها
تحديات البنية التحتية والتنظيم
– البنية التحتية للمطارات السورية بحاجة إلى تقييم دقيق وتطوير تدريجي، سواء على مستوى المهابط، أنظمة الملاحة، صالات الركاب، أو الخدمات الأرضية، لضمان مطابقة معايير السلامة الدولية ومتطلبات شركات الطيران الحديثة.
– الإطار التنظيمي لقطاع الطيران في سورية يحتاج إلى تحديثات متوافقة مع المعايير الدولية (ICAO, EASA)، بما في ذلك أنظمة السلامة، الترخيص، الرقابة الاقتصادية، حماية حقوق المستهلك، وآليات تسعير الرسوم.
المخاطر الجيوسياسية والسمعة السوقية
– استمرار أي توترات أمنية أو سياسية داخلية أو إقليمية قد يؤثر في ثقة المسافرين وشركات التأمين، ويحد من قدرة الشركة المشتركة على فتح وجهات دولية مهمة.
– صورة سورية في بعض الأسواق ما زالت مرتبطة بفترة الصراع، ما يستدعي جهوداً تسويقية مشتركة بين شركة الطيران والجهات السياحية لإعادة تقديم البلاد كوجهة آمنة نسبياً لبعض أنواع السياحة.
تحديات القدرة الشرائية والطلب المحلي
– مستويات الدخل والقدرة الشرائية في السوق السورية قد تحدّ من التسعير، ما يفرض على الشركة المشتركة سياسة تسعير مرنة مع ضبط صارم للتكاليف، والاستفادة القصوى من نموذج الطيران الاقتصادي المعتمد على معدلات إشغال عالية ودوران سريع للطائرات.
– لهذا قد يكون من الضروري منذ البداية استهداف شرائح ذات قدرة دفع أعلى نسبياً (مسافرون من وإلى الخليج، رجال أعمال، جاليات في الخارج)، ثم توسيع قاعدة العملاء المحليين مع الوقت ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية.
توصيات لنجاح المشروع وتعظيم الفائدة السورية
– تصميم نموذج شراكة واضح يوازن بين سيادة القرار الوطني في القطاع وبين الاستفادة من خبرة طيران ناس في التشغيل منخفض التكلفة وإدارة الإيرادات، مع شفافية في تقاسم المخاطر والعوائد.
– ربط المشروع بخطة أوسع لتطوير أحد المطارات السورية كمركز تشغيل إقليمي متوسط الحجم، مع حوافز استثمارية (تخفيض رسوم، تسهيلات لوجستية، أولوية في تخصيص الخانات الزمنية) لجذب مزيد من الرحلات والاستثمارات.
– الاستثمار المبكر في تدريب الكوادر السورية في مجالات التشغيل والسلامة والإدارة، عبر برامج مشتركة مع طيران ناس أو معاهد إقليمية ودولية، لضمان نقل حقيقي للمعرفة وليس مجرد ترخيص للعلامة.
– مواءمة سياسة التسعير مع خصوصية السوق السورية، عبر مزيج من الأسعار الترويجية، وحزم السفر الشاملة (تذاكر + إقامة)، والاستفادة من القنوات الرقمية منخفضة التكلفة لتسويق التذاكر.
– التنسيق المنهجي بين وزارات النقل والسياحة والاقتصاد في سورية لضمان تكامل هذا المشروع مع سياسات تسهيل التأشيرات، الترويج السياحي، وتحسين بيئة الأعمال للمستثمرين المرتبطين بقطاع السفر.
بهذا الشكل، يمكن النظر إلى الاتفاقية مع طيران ناس كفرصة استراتيجية لسورية لإعادة إدماجها تدريجياً في شبكة النقل الجوي الإقليمية، وجذب استثمارات وخبرات تشغيلية متقدمة، بشرط إدارة التحديات البنيوية والجيوسياسية بعقلانية، ووضع المشروع ضمن رؤية اقتصادية متوسطة وطويلة الأجل تعطي أولوية لخلق فرص العمل وزيادة الانفتاح التجاري والسياحي.

