الرقة اليوم: مين يتحمل المسؤولية؟
- ودق - Wadaq
- يناير 31, 2026
- اقتصاد, سوريا
- 0 Comments
خاص ودق| الرقة
مقالة رأي: الباحث الإقتصادي محمد السلوم
الرقة اليوم: مين يتحمل المسؤولية؟
قراءة في الإدارة العامة بين الكفاءة، القانون، وبناء الدولة
تُطرح في محافظة الرقة اليوم أسئلة جوهرية تتجاوز الجدل الآني حول الأسماء والمناصب، لتلامس جوهر العلاقة بين المجتمع والدولة، وحدود المسؤولية العامة في مرحلة ما بعد الصراع. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من يتولى الموقع الإداري؟ بل: من يستطيع تحمّل أعباء المسؤولية ضمن بيئة اجتماعية وسياسية ما زالت في طور إعادة التشكل؟
من الخطأ اختزال أزمة الإدارة في الرقة بنقص الكفاءات أو غياب الخبرات المحلية. فالمحافظة، شأنها شأن باقي المناطق السورية، تزخر بطاقات بشرية مؤهلة في مجالات الإدارة، الاقتصاد، القانون، والخدمات العامة. غير أن الإشكال البنيوي يكمن في غياب الإطار القانوني والمؤسسي القادر على حماية هذه الكفاءات من الضغوط غير الرسمية، وتحويلها إلى قوة فاعلة في خدمة الصالح العام.
المسؤولية العامة: من الامتياز إلى العبء
في السياقات الهشة، لا يكون المنصب العام امتيازاً بقدر ما يكون عبئاً ثقيلاً. فالمسؤول في الرقة لا يواجه فقط تحديات إعادة الإعمار وتدهور الخدمات، بل يجد نفسه في مواجهة شبكة معقدة من التوقعات الاجتماعية، والحساسيات العشائرية، والتجاذبات المحلية التي قد تعيق اتخاذ القرار أو تُفرغه من مضمونه. ومع غياب مرجعية قانونية صارمة، يتحول العمل العام إلى مساحة مساومات بدلاً من كونه وظيفة مؤسسية واضحة المعايير.
القانون بوصفه شرط الاستقرار
إن التجارب المقارنة في بناء الدول الخارجة من النزاعات تؤكد أن سيادة القانون ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أولياً للاستقرار والتنمية. فحين يُطبق القانون على الجميع دون استثناء، تتراجع الولاءات الضيقة، ويُعاد الاعتبار لمبدأ الكفاءة والمساءلة. أما في غياب هذا الإطار، فإن أي حديث عن إدارة رشيدة يبقى حبراً على ورق، مهما حسنت النوايا أو تعددت المبادرات.
بين المجتمع والدولة: إعادة تعريف الأدوار
لا يمكن تجاهل الدور الاجتماعي للعشيرة في الرقة، بوصفها مكوناً تاريخياً وثقافياً، غير أن الخلل يبدأ حين تتحول هذه البنى الاجتماعية إلى مرجعيات سياسية أو أدوات حماية للمسؤولين. فالدولة الحديثة لا تقوم على إلغاء المجتمع، بل على تنظيم علاقته بالسلطة ضمن عقد قانوني جامع، يضمن الحقوق ويحدد الواجبات، ويمنع تداخل الصلاحيات بين العام والخاص.
حرية الرأي كآلية تصحيح ذاتي
يشكل احترام حرية الرأي والتعبير أحد أعمدة الإدارة الرشيدة. فالمجتمعات التي لا تسمح بالنقد العلني، أو تفسّر الاختلاف بوصفه استهدافاً اجتماعياً أو سياسياً، تفقد قدرتها على تصحيح أخطائها. وفي حالة الرقة، فإن فتح المجال العام للنقاش المسؤول يشكّل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
من يتحمل المسؤولية فعلاً؟
إن الرقة اليوم لا تحتاج إلى “شخصيات قوية” بقدر ما تحتاج إلى منظومة قوية. فالمسؤولية العامة يجب أن تُفهم بوصفها تكليفاً أخلاقياً ومؤسسياً، لا تشريفاً اجتماعياً أو فرصة للوجاهة. ومن دون بناء منظومة تحمي المسؤول النزيه، وتحاسب المسيء، ستبقى عملية التغيير رهينة الأشخاص لا القواعد.
أفق المرحلة القادمة
إن طموحات المجتمع المحلي في الرقة تتجاوز تحسين الخدمات أو إعادة الإعمار المادي، لتشمل استعادة الإحساس بالعدالة، والمواطنة، والمشاركة الآمنة في الشأن العام. وهذه الطموحات لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إعادة بناء الثقة بالدولة، وترسيخ دولة القانون، وتحويل السؤال الشعبي: مين يتحمل المسؤولية؟ إلى مدخل حقيقي لبناء إدارة عامة رشيدة ومستدامة.

