غرقوا لأنهم سوريون: الترحيل القسري يتحول إلى حكم إعدام
- ودق - Wadaq
- ديسمبر 29, 2025
- سوريا
- 0 Comments
خاص ودق
بقلب يملأه الحزن والغصة، وبالكثير من القهر الذي لا يجد له مكاناً في القواميس، نكتب اليوم عن مأساة جديدة تضاف إلى سجل الوجع السوري الطويل. اليوم، لم تهتز الأرض تحت أقدامنا، بل اهتزت الضمائر أمام مشهد النهر الغادر الذي ابتلع أحلاماً بريئة كانت تبحث عن مجرد “بقعة آمنة” تحت سماء وطنها.
الموت غرقاً على عتبة الديار.. “ذنبهم أنهم سوريون”
في وقت تحاول فيه سورية، رغم كل الصعاب، لملمة جراحها وفتح أحضانها لأبنائها العائدين، وفي ظل شتاء قارس لا يرحم، كان القدر والسياسات الجائرة يتربصون بـ 11 سورياً، معظمهم أطفال، لم يمهلهم الموت حتى يعبروا إلى بر الأمان.
الخبر الذي نزل كالصاعقة على الشارع السوري لم يكن مجرد “حادث غرق”، بل كان جريمة إنسانية كاملة الأركان. هؤلاء الذين أُجبروا على عبور نهر هائج، في ليل مظلم ورياح عاتية، لم يختاروا المغامرة، بل دُفعوا إليها دفعاً تحت مسمى “الترحيل القسري”.
رحلة الرعب: من التوقيف إلى قاع النهر
تؤكد المعلومات الميدانية أن “الجيش اللبناني” قام بتوقيف هذه المجموعة واقتيادها في جنح الليل إلى نقاط حدودية غير رسمية. وبدلاً من تأمين عودة تحفظ كرامتهم وتضمن سلامتهم، أُجبروا على مواجهة النهر الذي كان في ذروة فيضانه.
أي قلب هذا الذي يرى طفلاً يرتجف من البرد، ويأمره بالنزول إلى مياه جارفة؟ أي منطق عسكري أو أمني يبرر دفع عائلات كاملة نحو الموت المحتم؟
لقد نجحت فرق الدفاع المدني السوري في إنقاذ رجل وسيدتين، لكن 11 روحاً صعدت إلى بارئها، تاركة خلفها أحذية صغيرة طافية على وجه الماء، وصرخات مكتومة لن ترحل عن ذاكرة من شهد الواقعة.
بين ضبط الحدود ووحشية “الترحيل”
لا ننكر أن ضبط الحدود ضرورة وطنية، خاصة بعد سنوات من الانفلات الأمني الذي غذّته المليشيات وتجار البشر والمهربون الذين لم يفرقوا يوماً بين بضاعة وإنسان. لكن ما حدث على ضفاف ذاك النهر ليس “ضبطاً للحدود”، بل هو تنصل كامل من القيم الإنسانية.
إننا في الوقت الذي نشيد فيه بيقظة حرس الحدود السوري وسعيهم لضبط الأمن، نضع علامات استفهام كبرى حول تصرفات مؤسسة الجيش اللبناني. كيف تتحول مؤسسة يُفترض أنها تحمي الإنسان إلى أداة تشريد تضع الأطفال في مواجهة فيضانات مميتة؟
صرخة غضب: دم السوري ليس رخيصاً
إن الشارع السوري اليوم لا يشعر بالحزن فقط، بل يشعر بغضب عارم. هذا الغضب نابع من تكرار مشاهد الإذلال التي يتعرض لها السوري في بلاد اللجوء، خاصة في لبنان، حيث أصبح السوري “شماعة” لكل الإخفاقات، وصولاً إلى استرخاص دمه بهذه الطريقة البشعة.
نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط أن يُعامل السوري بإنسانية. إذا كان قرار الترحيل قد اتُخذ، فليكن بكرامة، عبر المعابر الرسمية، وفي ظروف تحفظ حياة البشر. أما الدفع بهم نحو الأنهار الهائجة في الليالي العاصفة، فهو “إعدام ميداني” بأسلوب آخر.
لترقد أرواحكم بسلام
رحم الله ضحايا “نهر الموت”، وعزاؤنا لأهاليهم وللشعب السوري المكلوم. هؤلاء الأطفال الذين لم يعرفوا من الدنيا سوى الخوف والنزوح، وجدوا أخيراً سكينة لم يجدوها على الأرض، لكن في قاع النهر.
إن دماء هؤلاء الأبرياء ستبقى وصمة عار في وجه كل من شارك في دفعهم نحو هذا المصير، وستبقى صرخة في وجه الضمير العالمي الصامت. سورية ستستقبل أبناءها، أحياءً أو شهداء، وستبقى هي الحضن الأخير مهما اشتدت المحن.
لكم الرحمة ولنا الصبر، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

