سورية خارج دفاتر الأرقام… اقتصاد بلا بيانات في زمن الجدل الرقمي

ودق| اقتصاد

في عصر تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إنتاج البيانات وتحليلها وتداولها بشفافية، تبدو سورية حالة استثنائية ومقلقة. فبعد سنوات من الحرب والانقسام، لم تعد الأزمة مقتصرة على الدمار المادي أو التراجع الاقتصادي، بل امتدت إلى غياب شبه كامل للبيانات الموثوقة، ما وضع البلاد خارج معظم المؤشرات الدولية، وترك المجال مفتوحاً أمام التخمين، والشائعات، واستطلاعات الرأي الرقمية التي باتت تلعب دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام، أحياناً بصورة مضللة أو مثيرة للانقسام.

⚫ الغياب الإحصائي… مؤشر على أزمة دولة لا أزمة أرقام

عند مراجعة تقارير الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يلاحظ الباحث أن سورية إما غائبة كلياً عن مؤشرات التنمية والنمو، أو حاضرة بإشارات هامشية مقرونة بعبارات من نوع “البيانات غير متاحة” أو “لا يمكن التحقق من الأرقام”.

هذا الغياب لا يُفسَّر كخلل فني، بل كأزمة بنيوية في عمل الدولة الحديثة. فالدولة التي لا تمتلك جهازاً إحصائياً فاعلاً ومستقلاً، ولا تصدر بيانات دورية قابلة للمراجعة، تفقد إحدى أهم أدوات السيادة الاقتصادية: معرفة واقعها الاجتماعي والاقتصادي بلغة الأرقام.

⚫سورية حاضرة فقط في مؤشرات الكارثة

المفارقة الصارخة أن الغياب الإحصائي لا يشمل كل الملفات. فسورية تظهر بوضوح في المؤشرات المرتبطة بالمآسي الإنسانية، حيث تتوافر تقديرات دولية نسبياً، من أبرزها:

ارتفاع نسب النزوح الداخلي واللجوء الخارجي إلى مستويات غير مسبوقة عالمياً.

معاناة ملايين السوريين من انعدام أو هشاشة الأمن الغذائي.

خسائر بشرية ضخمة دون رقم نهائي معتمد.

دمار واسع في المساكن والبنى التحتية الحيوية.

هنا فقط تُقاس سورية، لا بوصفها اقتصاداً أو مجتمعاً منتجاً، بل بوصفها أزمة إنسانية ممتدة، ما يعكس اختلالاً عميقاً في صورة الدولة ووظيفتها.

⚫ العمى الإحصائي وتأثيره على القرار الاقتصادي

في الاقتصاد، يُعرَف هذا الوضع بـ”العمى القائم على نقص البيانات”، حيث يصبح التخطيط الاقتصادي أشبه بمحاولة السير في الظلام.

ففي غياب أرقام دقيقة حول الناتج المحلي، والفقر، والبطالة، وتوزيع السكان، تصبح السياسات العامة عرضة للخطأ وسوء التقدير، ويصعب:

توجيه الدعم إلى مستحقيه.

تحديد أولويات إعادة الإعمار.

جذب الاستثمارات أو التمويل الدولي.

كما يؤدي هذا العمى إلى فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع، حيث يشعر المواطن بأن القرارات تُتخذ دون معرفة حقيقية بواقعه.

⚫ استطلاعات الرأي الرقمية… بديل مشوَّه عن البيانات

في ظل هذا الفراغ، برزت استطلاعات الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي كأداة بديلة لتقدير المزاج العام. غير أن معظم هذه الاستطلاعات تفتقر إلى المنهجية العلمية، ولا تستند إلى عينات ممثِّلة، وغالباً ما تُصاغ بأسئلة موجهة أو تبسيطية.

الأخطر من ذلك أن بعضها بات يُستخدم لإثارة الجدل السياسي أو الاقتصادي، أو تأجيج الانقسام الاجتماعي، مستفيداً من غياب الرواية الرسمية المدعومة بالأرقام.

تحاول الحكومة في كثير من الأحيان تجاهل هذه الظواهر، إلا أن تجاهلها لا يلغي أثرها، بل يمنحها مساحة أوسع للتأثير، خاصة حين يترافق ذلك مع ضعف الشفافية في تداول المعلومات.

⚫ الشفافية كضرورة اقتصادية في المرحلة المقبلة

خلال المرحلة القادمة، ستكون الحكومة أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في إدارة المعلومة لا إدارة القرار فقط. فالبلاد، على سبيل المثال، تترقب طرح العملة السورية الجديدة من قبل المصرف المركزي بعد عام من التحرير، وهو ملف اقتصادي وسيادي بالغ الحساسية.

ورغم ذلك، لم تُنشر حتى الآن صور رسمية أو معلومات تفصيلية حول شكل أو صورة العملة الجديدة، ما فتح الباب أمام وسائل التواصل الاجتماعي لتغرق الفضاء العام بصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، هدفها كسب التفاعل والمشاهدات، لا نقل المعلومة الدقيقة.

هذا المثال يوضح كيف أن غياب المعلومة الرسمية في وقتها المناسب يسمح بانتشار الشائعات، ويقوّض الثقة، ويحوّل ملفات اقتصادية حساسة إلى مادة للجدل والارتباك.

⚫إن أزمة سورية اليوم لم تعد محصورة في شح الموارد أو حجم الدمار، بل في غياب نظام معلومات وطني قادر على إنتاج البيانات وتداولها بشفافية. وفي عالم تُدار فيه الاقتصادات بالأرقام، لا يمكن بناء استقرار اقتصادي أو اجتماعي دون استعادة الثقة بالمعلومة الرسمية.

فالشفافية لم تعد ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً للاستقرار، ومقدمة لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي. والدولة التي لا تتحدث بلغة الأرقام، سيُعاد تعريفها بلغة الشائعات، في زمن لا يرحم الفراغ.

اترك تعليقا