سوق “جارة القلعة”… إحياء للتجارة والحرف في قلب حلب القديمة
- ودق - Wadaq
- فبراير 22, 2026
- اقتصاد, الأسواق الشعبية السورية
- جارة القلعة, حلب
- 0 Comments
ودق – حلب
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المدن السورية في الآونة الأخيرة، برزت مبادرة جديدة في قلب المدينة القديمة لحلب تهدف إلى تنشيط الحركة التجارية ودعم المشاريع الصغيرة من خلال سوق جديد أُطلق تحت اسم “جارة القلعة”، وهو مشروع يتجاوز مفاهيم البيع والشراء التقليدية ليصبح جسراً بين الماضي والحاضر، ورافداً ديناميكياً للحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة.
يقع هذا السوق في خان الشونة، بالقرب من البوابة الرئيسية لقلعة حلب التاريخية، وهو موقع لم يكن غريباً على اهتمامات الزوار والسكان على مر القرون، إذ لطالما شكّل خان الشونة مساحة للتجارة والتبادل الثقافي داخل المدينة القديمة. ما ميز افتتاح “جارة القلعة” أنه جاء كنتيجة لتعاون بين محافظة حلب ومنظمة وحدة دعم الاستقرار، بهدف توفير منصة للحرفيين والتجار الصغار لعرض منتجاتهم وبيعها مباشرة لزوار المدينة ولأهالي المنطقة.
ارتبطت حلب عبر تاريخها الطويل بالأسواق المزدحمة والأزقة التي تنبض بالحياة، وكانت المدينة شرياناً تجارياً يربط بين الشرق والغرب. ومن خلال هذا السوق الجديد، يسعى القائمون عليه إلى إعادة هذا الإيقاع الحيوي في قلب المدينة القديمة، مستفيدين من موقعه التاريخي القريب من القلعة الأثرية، وهو ما يعزز من جاذبيته ليس فقط للزائرين المحليين، بل أيضاً للمهتمين بالتراث والحرف التقليدية.
سوق “جارة القلعة” ليس مجرد مشروع تجاري عابر، بل يمثل خطوة استراتيجية في خطة أوسع لإحياء الأسواق التراثية وتفعيل المواقع التاريخية في الجزء القديم من حلب، بما يحتضن أنشطة إنتاجية تحافظ على الطابع الأصيل للمنطقة وتدعم المهارات الحرفية التي تكاد تتراجع في ظل التحديات الاقتصادية. وقد تم تصميم السوق بحيث يشمل أكشاكاً مخصصة للحرفيين والتجار الصغار، تتيح لهم مساحة لعرض منتجاتهم اليدوية والتقليدية، ما يمكّنهم من تعزيز دخولهم والمساهمة في تحريك الدورة الاقتصادية محلياً.
قبل فترة الافتتاح الرسمي، شهد السوق تدريباً لأصحاب المشاريع الصغيرة من مختلف المجالات، حيث اجتمع المشاركون في مساحة خصصتها “وحدة دعم الاستقرار” لتلقي مهارات عملية تساعدهم على تطوير مشاريعهم وتحسين حضورهم داخل السوق الجديد. هذه المبادرات التدريبية ليست مجرد تجهيز لمرحلة الافتتاح، وإنما محاولة لوضع أسس متينة تمكن أصحاب المشاريع من النجاح والاستدامة في بيئة تنافسية، وهو أمر يعكس وعي القائمين على المشروع بأهمية بناء قدرات الفاعلين المحليين.
تتوزع البضائع والمنتجات داخل السوق بين ما هو تقليدي وما هو حرفي معاصر. فالحرفيون يعرضون منتجاتهم اليدوية من النسيج والمطرزات والمشغولات المعدنية والخشبية، بينما يقدم آخرون سلعاً تعكس تراث المنطقة من بهارات وزيوت عطرية وأقمشة ومستلزمات منزلية تقليدية. هذه التوليفة ليست مجرد خيارات للبيع، بل إرث ثقافي يعكس تنوع الحرف والمنتجات التي كانت تشتهر بها حلب منذ قرون، وطريقة عيش ساكني المدينة القديمة الذين اعتادوا على المزج بين التجارة والإبداع المحلي.
كما أن اختيار اسم السوق “جارة القلعة” ليس عشوائياً؛ فهو يعكس الفكرة المركزية للمشروع التي تضع التراث التاريخي والهوية الثقافية في صميم العملية الاقتصادية، في محاولة لإعادة الاعتبار لمكانة الأحياء القديمة كمساحات حيوية قابلة للنمو الاقتصادي المستدام. وهذا يعيد إلى الأذهان الأسواق التاريخية الكبرى التي امتدت منذ القرن الرابع عشر في حلب، مثل سوق المدينة داخل الأسوار، التي شكلت لقرون مركز التجارة والحرف في المنطقة.
وبينما لا تزال التحديات الاقتصادية قائمة، فإن افتتاح سوق “جارة القلعة” يمثل بارقة أمل في طريقة جديدة لإدارة الفضاءات التراثية من خلال دمجها في البرامج الاقتصادية المحلية. لقد جاء المشروع مكملاً للجهود التي تشهدها المدينة القديمة، ومنها مهرجانات ومساعي حية لإعادة الألق لقلعة حلب وساحاتها وأزقتها التاريخية، الأمر الذي يُعد انعكاساً لرغبة متجددة في الحفاظ على التراث مع تحقيق منافع اقتصادية ملموسة لسكان المنطقة والمشاريع الصغيرة.
يتيح السوق فرصة لتقليص فجوة بين الإنتاج التقليدي والطلب الفعلي في الأسواق الحديثة، وهو نموذج يمكن أن يتكرر في مواقع أخرى ضمن المدينة القديمة أو في غيرها من المدن السورية التي تملك تراثاً تاريخياً ثرياً وقدرات بشرية في الحرف اليدوية. إن دعم هذا النوع من المبادرات لا ينعش فقط الاقتصادات المحلية الصغيرة، بل يعيد أيضاً بناء نسيج اجتماعي كان قد تراجع بفعل سنوات الصراع والتحديات الاقتصادية، ليمنح الأجيال الجديدة مخرجات حقيقية لجهودهم ومواهبهم في فضاء تاريخي يحمل أكثر من فقط قيمة أثرية.
في نهاية المطاف، يعتبر سوق “جارة القلعة” أكثر من مجرد مكان للبيع والشراء؛ إنه مسعى لإعادة تعريف العلاقة بين التراث والاقتصاد، ونافذة تطل بها حلب على أفق جديد في قلب تاريخها العريق، مفصِّلاً من روح المدينة القديمة وماضيها التجاري العميق.
