حذف الأصفار لا يحذف الأزمة: كيف يعيد السوريون تسعير ديونهم ومدخراتهم في زمن العملة الجديدة؟

خاص ودق| اقتصاد #العملةـالسوريةـالجديدة«

يشهد سوق الصرف في سورية مع نهاية عام 2025 واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ بداية الأزمة، مع اتساع الفارق بين السعر الذي يحدده المصرف المركزي عند حدود 11 ألف ليرة للدولار، والسعر السائد في السوق الموازي الذي يدور حول 11,700 ليرة. هذا التباين لا يحمل بعداً فنياً صرفاً، بل يعكس فجوة ثقة بين سياسة نقدية تحاول فرض استقرار اسمي، وسوق موازية تتصرف وفق معادلات العرض والطلب وتوقعات التضخم وسلوك المتعاملين. كلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت القناعة لدى الفاعلين الاقتصاديين بأن السعر الحقيقي هو سعر السوق، وأن السعر الرسمي مجرد مرجع محاسبي أو أداة لضبط كلف مستوردات محددة أو دعم صوري لبعض القطاعات.

العملة السورية الجديدة عملة سوريا الجديدة

في هذا السياق، يأتي قرار طرح عملة سورية جديدة مع حذف صفرين من فئات النقد المتداولة، بحيث يتحول سعر الصرف شكلياً إلى 110 ليرات للدولار في المركزي و117 ليرة في السوق الموازي. من الناحية الحسابية، لا يتغير شيء في القوة الشرائية أو في النِسَب؛ ما كان ديناً مقداره 11 مليون ليرة يصبح 110 آلاف ليرة، وما كانت سلعة بسعر 1.17 مليون تصبح 11,700 ليرة، لكن ما يتغير فعلاً هو إحساس الناس بقيمة الأرقام وحدودها النفسية. الانتقال من خانة الملايين إلى مئات الآلاف، ومن خمسة أصفار إلى ثلاثة، يعطي انطباعاً بصرياً بالانضباط، من دون أن يمس جوهر العلاقة بين الليرة والدولار أو بين الأجور والأسعار ما لم تترافق هذه الخطوة مع سياسة اقتصادية شاملة.

فترة التعايش بين العملتين، والتي حُددت بتسعين يوماً، ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة النظام النقدي على إدارة هذا الانتقال بسلاسة. في هذه المرحلة، سيتعين على الأفراد والشركات إعادة تسعير الديون، العقود، الإيجارات، الرواتب، والسلع والخدمات على أساس العملة الجديدة، مع الحفاظ على التكافؤ العددي والعدالة بين الدائنين والمدينين. من الناحية النظرية، يفترض أن يتم تحويل كل الالتزامات القائمة بنفس معامل الحذف، بحيث لا يربح طرف ولا يخسر آخر نتيجة التغيير الشكلي. غير أن الواقع يحمل هامشاً واسعاً لسوء الفهم أو الاستغلال: دائن قد يحاول تثبيت دينه بالدولار أو بالذهب بدل الليرة الجديدة، ومدين قد يسعى لإعادة التفاوض بذريعة «الالتباس» في الأسعار أو التوقعات.

خلال الأسابيع الأولى، سيطغى ارتباك طبيعي لدى المواطنين العاديين في التعامل مع الفئات الجديدة، وقراءة الأرقام، والتأكد من صحة التحويل بين الليرتين القديمة والجديدة. هذا الارتباك يُغذّي قابلية أعلى لحدوث أخطاء في التسعير أو التبادل، وقد يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية وتموينية تُحمِّل المستهلك عبئاً إضافياً. هنا يصبح دور السلطات النقدية والرقابية، إلى جانب وسائل الإعلام والقطاع المصرفي، حاسماً في تعميم جداول تحويل واضحة، وتفسير مبسط للخطوة، وإطلاق حملات توعية واسعة، بما يخفض مساحة الغموض ويقلل احتمالات التلاعب.

لكن جوهر التحدي لا يتوقف عند المستوى التقني أو النفسي للعملة الجديدة، بل يرتبط ببنية التضخم التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية. تضخم الأسعار لم يكن ظاهرة عابرة، بل مساراً تراكمياً ناتجاً عن تراجع الإنتاج، اختناقات الاستيراد، ضعف الدخل الحقيقي، وتمويل العجز بطباعة النقد. حذف الأصفار لا يمحو هذا التاريخ، ولا يوقف تلقائياً انتقال موجات التضخم المقبلة؛ فطالما أن الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي قائمة، وطالما أن الاقتصاد يعتمد على الاستيراد المموّل بعملة صعبة شحيحة، فإن الضغوط التضخمية ستستمر في الترجمة إلى ارتفاعات دورية في سعر الصرف، مهما بدت الأرقام أصغر شكلاً بعد إعادة التقويم.

نهاية السنة المالية تضيف طبقة أخرى من التعقيد. في الأشهر الأخيرة من العام، تعمد الشركات إلى إغلاق حساباتها وتسوية ذممها، كثير منها مقوّم بالدولار أو مرتبط بسعره. هذا يولد طلباً إضافياً على العملة الصعبة، سواء لتسديد التزامات خارجية أو لإعادة تقييم المخزون والأصول وفق سعر أقرب إلى واقع السوق. ومع اقتراب إدخال العملة الجديدة، يزداد الطلب التحوطي على الدولار، لأن جزءاً من الفاعلين يخشى أن تكون العملية النقدية مقدمة لمرحلة جديدة من تآكل القدرة الشرائية، فيفضّل أن يحمل جزءاً أكبر من ثروته بعملات صعبة أو ذهب لا تتأثر شكلياً بحذف الأصفار.

عملة سوريا الجديدة

في ظل هذا المشهد، تبدو الاستثمارات – المحلية منها والخارجية – في حالة انتظار وترقب. المستثمر ينظر إلى فسيفساء من المخاطر: فارق بين السعرين الرسمي والموازي، مرحلة انتقالية نقدية قد تشهد ارتباكاً وموجات تضخمية إضافية، وسياق سياسي وأمني لم يكتمل استقراره بعد، رغم التوقعات المتفائلة ببعض الانفراجات في مطلع 2026. النتيجة الطبيعية هي تأجيل قرارات الاستثمار الجديدة أو التوسع في المشاريع القائمة إلى حين اتضاح صورة السياسة النقدية بعد العملة الجديدة، ومدى القدرة على تضييق الفجوة بين السعرين، وتخفيف الضغوط على القوة الشرائية للسكان.

إن نجاح تجربة العملة الجديدة وحذف الأصفار لن يُقاس بجمال التصميم أو سهولة التعامل النقدي، بل بقدرتها على فتح باب لاستقرار سعري

اترك تعليقا