جبل السيدة مريم وحي الشيخ مقصود: الاسم، الذاكرة، وتحولات السلطة الرمزية في مدينة حلب
- ودق - Wadaq
- يناير 11, 2026
- منوع
- 0 Comments
الاسم بوصفه حقلًا للصراع الرمزي
لا تُعد أسماء الأماكن مجرد دلالات جغرافية محايدة، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس مباشر لتوازنات القوة، والذاكرة الجمعية، والتحولات الديموغرافية والسياسية التي تمر بها المجتمعات. وفي مدينة حلب، التي تُعد إحدى أقدم الحواضر المأهولة في العالم، يكتسب الجدل حول تسمية الأحياء والمواقع بعدًا يتجاوز الشكل إلى المضمون. من هذا المنطلق، تبرز قضية «جبل السيدة مريم» المعروف حاليًا باسم «حي الشيخ مقصود» كنموذج مكثف للصراع بين الذاكرة الدينية التاريخية والواقع الاجتماعي المستجد.
السياق التاريخي للتسمية ودور السرديات الدينية
تعود تسمية «جبل السيدة مريم» إلى النصف الأول من القرن العشرين، مستندة إلى روايات دينية شعبية عن ظهور نور أو طيف منسوب للسيدة مريم العذراء فوق التلة الواقعة شمال غرب حلب. وبغض النظر عن التحقق التاريخي أو اللاهوتي لهذه الروايات، فإن أهميتها تكمن في أثرها الاجتماعي، حيث أسهمت في تكريس المكان بوصفه فضاءً ذا قدسية خاصة لدى مسيحيي المدينة.
هذا الأثر تُرجم عمليًا عبر إنشاء كنيسة مكرسة للعذراء مريم بين أواخر الثلاثينيات وأواسط الأربعينيات، في فترة شهدت توسعًا عمرانيًا محدودًا للمدينة، واستقرارًا نسبيًا للتجمعات الأرمنية والمسيحية التي لجأت إلى حلب بعد أحداث أوائل القرن العشرين. في هذا السياق، لم يكن الاسم تعبيرًا دينيًا فحسب، بل علامة على حضور اجتماعي وثقافي ضمن النسيج الحلبي المتعدد.
التحول الديموغرافي وإعادة إنتاج المكان
بدءًا من أربعينيات القرن الماضي، دخلت التلة في مسار تحولات تدريجية، ارتبطت بعوامل متعددة: توسع المدينة شمالًا، تحولات الاقتصاد الحضري، والهجرة الداخلية من الأرياف والمناطق الطرفية. ويُعد ارتباط الموقع باسم «الشيخ مقصود» جزءًا من هذا التحول، إذ اقترن الاسم بشخصية دينية محلية ذات حضور اجتماعي، وتحول قبره لاحقًا إلى مزار شعبي.
مع مرور الوقت، وخاصة منذ سبعينيات القرن العشرين، تعزز الطابع الكردي للحي نتيجة موجات هجرة من ريف حلب الشمالي وعفرين، مدفوعة بعوامل اقتصادية وتنموية غير متوازنة. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ تسمية «حي الشيخ مقصود» في الخطاب الرسمي والإداري، في مقابل تراجع الاسم السابق إلى نطاق الذاكرة الشفوية والوثائق التاريخية غير المتداولة.
هنا، لا يمكن قراءة التغيير في التسمية بمعزل عن علاقات القوة الرمزية؛ فالاسم الجديد لم يُفرض بقرار إداري فجائي، بل تكرس عبر الاستخدام اليومي، والتوسع السكاني، وغياب سياسات واضحة لحماية الذاكرة المكانية.
ما بعد الصراع وعودة الأسئلة المؤجلة
أعادت التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها حلب مطلع عام 2026 فتح ملفات مؤجلة تتعلق بالهوية والذاكرة والتمثيل الرمزي في الفضاء العام. وفي هذا السياق، برزت مطالب من ناشطين ومثقفين مسيحيين بإعادة الاعتبار لتسمية «جبل السيدة مريم»، باعتبارها جزءًا من التاريخ الديني والثقافي للمدينة، وليس مجرد إرث طائفي معزول.
اللافت في هذه المطالب أنها لم تطرح بوصفها دعوة لإقصاء الواقع القائم، بل كمحاولة لإعادة التوازن الرمزي، في مواجهة ما يُنظر إليه كمسار طويل من التهميش غير المقصود للرموز المسيحية في الفضاء الحضري. كما كشفت هذه النقاشات هشاشة إدارة التنوع في مرحلة ما بعد الصراع، حيث تتحول الأسماء إلى مؤشرات على الاعتراف أو الإلغاء.
الاسم بين الحق التاريخي ومتطلبات العيش المشترك
تطرح قضية إعادة التسمية إشكالية مركبة: فمن جهة، هناك حق ثقافي وتاريخي مشروع في حماية الأسماء التي تعكس ذاكرة جماعية ممتدة. ومن جهة أخرى، هناك واقع اجتماعي راسخ تشكل على مدى عقود، وأي مقاربة تتجاهله قد تؤدي إلى توترات غير ضرورية.
لذلك، فإن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تكون تقنية أو رمزية فقط، بل تتطلب إطارًا تشاركيًا يشمل سكان الحي الحاليين، والمؤسسات الدينية، والباحثين في التاريخ العمراني. وقد يكون الحل في اعتماد صيغ توفيقية، مثل الاعتراف المزدوج بالاسمين في السياقين الثقافي والتاريخي، أو إدراج الاسم القديم ضمن لوحات تعريفية ومناهج توثيقية، بدل تحويله إلى أداة صراع.
نحو إدارة واعية للذاكرة الحضرية
إن الجدل حول «جبل السيدة مريم» لا يتعلق بجغرافيا محدودة بقدر ما يعكس أزمة أوسع في إدارة الذاكرة الحضرية السورية بعد سنوات الصراع. فالمسألة الجوهرية ليست أي اسم ينتصر، بل كيف تُدار الاختلافات الرمزية دون إنكار أو استحواذ.
في مدينة مثل حلب، حيث تتجاور الطبقات التاريخية والدينية والعرقية، يصبح الاعتراف المتبادل شرطًا لإعادة بناء الثقة. وعليه، فإن تحويل هذا الجدل إلى فرصة للحوار قد يشكل خطوة أولى نحو مقاربة أكثر نضجًا لمسألة الهوية في سوريا ما بعد التحرير.

