من دمشق إلى العالم.. بطاقة QNB الدولية تفتح آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار في سوريا

دمشق – ودق| اقتصاد

شهدت العاصمة السورية دمشق مع مطلع عام 2026 انعطافة تاريخية في مسار اقتصادها الوطني، حيث أُعلن رسمياً عن منح شركة ماستركارد العالمية ترخيصاً لمجموعة QNB الدولية لتوسيع إصدار البطاقات الائتمانية وقبول المدفوعات داخل البلاد وخارجها. يأتي هذا التطور ثمرة لمسار قانوني وسياسي متسارع بدأ منذ سبتمبر الماضي بتوقيع مذكرة تفاهم استراتيجية، وتوّج بإلغاء “قانون قيصر” في ديسمبر 2025، مما أزال القيود التي كبلت القطاع المصرفي السوري لأكثر من عقد. واليوم، لم يعد الخبر مجرد إجراء تقني، بل هو إعلان عن عودة سوريا إلى نظام المقاصة العالمي، إيذاناً ببدء مرحلة الانفتاح المالي الشامل التي ستغير وجه التعاملات التجارية في المنطقة.

إن كسر العزلة الرقمية عبر دخول “ماستركارد” يمثل بوابة العبور نحو العولمة المالية التي افتقدتها بيئة الأعمال السورية طويلاً. فمن خلال الربط التقني المباشر بين المصارف السورية والشبكة العالمية، بات بإمكان الأفراد والشركات تجاوز حدود الجغرافيا في تعاملاتهم المالية. هذا التحول يعني تقنياً انتهاء عصر “العمليات المالية المعقدة” التي كانت تتم عبر وسائط في دول الجوار، حيث أصبح بإمكان المؤسسات السورية اليوم إجراء تسوياتها الدولية عبر القنوات الرسمية وبضمانات قانونية كاملة، مما يعزز من موثوقية النظام المالي السوري أمام الشركاء الدوليين ويضع حداً لسنوات من التهميش التقني.

وعلى صعيد قطاع الأعمال، تعمل هذه الخطوة كمحفز استراتيجي لدعم الشركات الناشئة وتسهيل عمليات التجارة الخارجية. فالبطاقة الدولية الصادرة عن QNB ستمنح التجار السوريين والشركات التكنولوجية والخدمية القدرة على سداد الالتزامات الدولية، وشراء البرمجيات، وتمويل الحملات الإعلانية العالمية، وتغطية تكاليف الاستيراد الصغير والمتوسط دون الحاجة لسيولة نقدية ضخمة أو تعاملات ورقية مضنية. هذا التسهيل سيؤدي بالضرورة إلى خفض تكاليف ممارسة الأعمال، وبالتالي خفض أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، مما يمنح الاقتصاد السوري ميزة تنافسية جديدة في مرحلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمار الأجنبي الذي كان يترقب وجود آليات دفع آمنة ومعترف بها دولياً.

أما فيما يخص السياسة النقدية، فإن هذا التحول يساهم بشكل مباشر في سحب السيولة من “السوق السوداء” وإعادة توجيهها نحو القنوات المصرفية الرسمية. إن توفر بطاقة دولية تتيح السحب والدفع عالمياً سيشجع المواطنين والمستثمرين على إيداع مدخراتهم بالقطع الأجنبي والعملة المحلية الجديدة في المصارف لضمان الاستفادة من هذه الخدمات. هذا التوجه نحو “الاقتصاد اللانقدي” يعزز من قدرة مصرف سوريا المركزي على رقابة الكتلة النقدية وزيادة الشفافية المالية، مما يؤدي إلى استقرار سعر الصرف وتقليل الضغوط التضخمية الناتجة عن تداول النقد الورقي الكثيف خارج المظلة البنكية.

وعلى الرغم من هذه الآفاق الواعدة، فإن بيئة ما بعد العقوبات تفرض تحديات وفرصاً تتطلب إدارة حصيفة، لا سيما في جوانب الأمان السيبراني والامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال. إن نجاح تجربة QNB وماستركارد في سوريا سيكون بمثابة “مغناطيس” لجذب عمالقة آخرين مثل فيزا أو منصات الدفع الإلكتروني العالمية، مما سيحول دمشق إلى مركز مالي ناشئ في شرق المتوسط. إن الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية وتدريب الكوادر المصرفية السورية على التعامل مع هذه المنظومات الجديدة هما المفتاح لاستدامة هذا الانفتاح وضمان نموه بشكل متصاعد في السنوات المقبلة.

وفي الختام، يمكن القول إن إطلاق خدمات ماستركارد عبر QNB ليس مجرد إضافة لمنتج مصرفي جديد، بل هو “إعلان استقلال مالي” وبداية فعلية لاندماج سوريا في الاقتصاد العالمي. إن الطريق الذي فُتح اليوم أمام التجارة والاستثمار السوري هو طريق باتجاهين، يسمح بربط الطاقات السورية بالأسواق العالمية، ويستقطب رؤوس الأموال الباحثة عن فرص في سوق بكر واعدة. ومع استكمال الربط التقني والقانوني، ستظل هذه اللحظة علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط الاقتصادي الحديث، حيث عادت الجسور المالية لتربط دمشق بالعالم من جديد.

اترك تعليقا