
حي الحيدرية — حلب: بين وعد «النهضة العمرانية» ومخاوف الملكية والهوية
- ودق - Wadaq
- أغسطس 16, 2025
- سوريا
- 0 Comments
ودق| حلب
.
أُطلق في الأيام القليلة الماضية مشروع تنظيم منطقة الحيدرية في مدينة حلب بوصفه «بداية» لمرحلة جديدة من إعادة الإعمار، لكن الخبر لم يأتِ بلا ضجيج: بين تصريحات رسمية مفعمة بالطموح، وتغطيات إعلامية متباينة، وتفاعلات شعبية متخوفة، يبدو أن المشروع يقف عند مفترق طريق يختبر قدرة الجهات المعنية على تحقيق توازن بين التنمية وحقوق السكان.
ما الذي أعلنته السلطات؟
أعلنت محافظة حلب عن وضع حجر الأساس لمشروع تنظيم الحيدرية، الذي صُمّم على أن يضم مجمّعًا سكنيًا مكوّنًا من 19 مبنىً متعدد الطوابق تحتوي مجتمعةً على 608 وحدات سكنية، إلى جانب مرافق خدمية ومساحات خضراء وبنية تحتية متكاملة؛ وقد ذُكرت تكلفة تقديرية للمشروع تقارب 40 مليون دولار، بمدة تنفيذ مذكورة تصل إلى حوالَي 24 شهرًا، مع وعود بتوفير فرص عمل أثناء التنفيذ.
كيف ردّت وسائل الإعلام والتقارير المحلية؟
تناولت وسائل الإعلام المحلية المشروع بلغة رسمية إيجابية، ربطت بينه وبين حاجة المدينة إلى تنظيم الأحياء الشرقية وإعادة توفير السكن للعائدين. في المقابل، ظهرت تقارير وتحليلات نقدية تشير إلى نقاط ينبغي توضيحها: آليات تحديد المستفيدين، معايير التقييم الهندسي للبيوت، وضمانات عدم المساس بحقوق الملكية أو التسبب في نزاعات لاحقة. كما انتشرت مواد مرئية (فيديوهات تصورية) على صفحات محلية ووسائط تواصل تصور المظهر النهائي للمشروع، ما سرّع تداول الأرقام والمواصفات بين الجمهور.
ردود الفعل الشعبية — بين الأمل والقلق
تباينت ردود الفعل على منصات التواصل. جزء من أهالي الشرقيات يرحّب بالفكرة باعتبارها فرصة لاستعادة السكن المنظم والخدمات بعد سنوات من الدمار، بينما أبدى آخرون تخوفهم من أن تكون الخصائص الحقيقية للمشروع (أسعار الوحدات، آليات الحصول عليها، وصيغة التعويض) بعيدة عن واقع القدرة الشرائية لسكان الحي أو نيّاتهم في البقاء بمنطقة الحيدرية. هذا المزاج الشعبي تبلور عبر مقاطع قصيرة ومشاركات وتفاعلات نابضة على تيك توك، إنستاغرام وفيسبوك، حيث طرح مستخدمون أسئلة عملية حول آلية توزيع الوحدات ومعايير من يُعتبر «مستفيدًا».
مخاوف سياسية وقانونية — لماذا يتحوّل المشروع إلى مادة جدلية؟
ثمة أبعاد تتجاوز مجرد التخطيط العمراني: تقارير وتحليلات نقلت عن ناشطين وسياسيين مخاوف مرتبطة بالعلاقات التي تحيط بمشاريع الإعمار (شراكات استثمارية، أدوات قانونية مثل قوانين تنظيم العقار)، واحتمال استعمال مشاريع إعادة الإعمار لأهداف ديموغرافية أو اقتصادية لا تراعي مصالح السكان المحليين. بعض الأصوات ربطت المآلات المحتملة بمخاوف تتعلق بشفافية التمويل والجهات المستثمرة. هذه المخاوف ليست فنية فحسب — بل تحمل بعدًا مجتمعيًا حساسًا يؤثر على الثقة في مسارات التعافي.
نقاط مفتاحية تحتاج إجابات رسمية واضحة
من منظور حقوقي واجتماعي وتقني، يترك إطلاق المشروع دون إفصاح تفصيلي عن عدة عناصر فراغًا خطيرًا قد يولّد توترات لاحقة. من أهم ما يجب إعلانه وبيانه بوضوح:
1. معايير المستفيدين: من هم المستفيدون الأصليون؟ كيف تُخضع اللجنة ملفاتهم؟ هل هناك قوائم معتمدة؟.
2. آلية التعويض أو التسكين: هل سيكون السكن بديلًا مملوكًا، وحدات موزعة مقابل ملكيات سابقة، أو بيعًا بأسعار متفاوتة؟ وكيف توازي هذه الآليات بين القيمة السوقية والقدرة الشرائية للسكان؟.
3. توثيق الملكية وسجل النزاعات: هل توجد آليات لحماية من يملك وثائق ثبوتية؟ وكيف ستعالج حالات النزاع على الملكية؟.
4. شفافية العقود والتمويل: نشر عقود الشراكة، مصادر التمويل، وجداول زمنية واضحة للتنفيذ واستلام السكان لوحداتهم.
5. مشاركة المجتمعات المحلية: فتح قنوات حوارية حقيقية مع ممثلي الأحياء قبل أي تنفيذ ميداني.
تقييم سريع: فرص ومخاطر
الفرص: المشروع قادر على إحداث نقلة نوعية في البنية التحتية لسكان الحي، وتأمين وحدات سكنية منظمة وخلق وظائف مؤقتة ودائمة إن صُمّم ونُفّذ بشفافية وعدالة.
المخاطر: تنفيذ سريع ودون ضمانات قد يؤدي إلى فقدان ملكيات، تسعير وحدات لا تتناسب مع سكان المنطقة، ونزاعات قانونية أو احتجاجات شعبية تعيق الإنجاز وتضاعف التكاليف الاجتماعية والسياسية.
أخيراً : مشروع الحيدرية بين الإنجاز والعدالة
مشروع الحيدرية يحمل في طيّاته وعدًا مزدوجًا: كلّما اقترب من تحقيق فوائد ملموسة تُشعر الناس بتحسّن معيشتهم ومكانتهم الحضرية، تقلّ هواجس التوتر؛ وكلّما ظلَّ غامضًا في آليات التطبيق والتوزيع وكلّما تخلّت الجهات المنفذة عن إجراءات شفافـة تشرك السكان، ازداد القلق وتحول المشروع إلى مصدر احتقان اجتماعي. لذا، فإن معيار النجاح هنا لن يقاس بعدد الطوابق أو المساحات الخضراءِ التي تُنشَأ، بل بمدى قدرة هذا المشروع على إعادة الناس إلى منازلهم بكرامة، وبإشراكهم كشركاء لا كمستهدفين يُطبَّق عليهم قرار جاهز.