إحداث هيئة الإمداد والتوريد: خطوة استراتيجية نحو إعادة هيكلة الاقتصاد السوري
- ودق - Wadaq
- مارس 16, 2026
- سوريا
- 0 Comments
شبكة ودق الإعلامية – سوريا
في خطوة تُعدّ نقطة تحول في مسيرة الإصلاح الاقتصادي السوري، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسومين رقمي (63) و(65) لعام 2026، اللذين يُحدثان الهيئة العامة للإمداد والتوريد ويُعيّنان عبد الرزاق عمر المصري مديرًا عامًا لها. ترتبط الهيئة مباشرة بالأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، مما يمنحها استقلالية إدارية ومالية كاملة، لتتولى توحيد إجراءات التعاقد الحكومي للعقود التي تتجاوز خمسة ملايين ليرة سورية داخليًا أو عشرة ملايين خارجيًا. يأتي هذا المرسوم في سياق مرحلة انتقالية حاسمة، حيث تسعى سورية لاستعادة استقرارها الاقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات، من خلال آليات تضمن الكفاءة والشفافية في إدارة الموارد العامة. وبهذا، تتحول الهيئة إلى أداة مركزية لتوفير احتياجات الدولة من المواد والخدمات بأفضل المواصفات والأسعار، مع التركيز على تقليل الهدر وضبط الإنفاق في ظروف تضخمية مستمرة.
من الناحية التحليلية، يعكس النموذج البيروقراطي للهيئة جذورًا في مدارس الإدارة الكلاسيكية، مستلهمًا مبادئ ماكس ويبر في الهرمية والرقابة المركزية، لكنه يتكيف مع الاقتصاديات الحديثة من خلال دمج عناصر الشفافية والاقتصاديات الحجمية. فبدلاً من التعاقدات المشتتة عبر الوزارات، ستُعدّ الهيئة دفاتر الشروط الفنية والمالية، وتُجري المناقصات، وتُشرف على التوريد، مما يقلل التكاليف بنسب محتملة تصل إلى 20% في سلع استراتيجية كالوقود والقمح. هذا النهج يعالج إشكاليات سابقة مثل الفساد والتداخل الإداري، خاصة مع ربطها برئاسة الجمهورية الذي يضمن سرعة القرارات الاستراتيجية، مقابل خطر البطء في الاستجابة التشغيلية إذا لم يُدمج تطوير رقمي فوري. كما يُحلّ جزئيًا تضارب الصلاحيات مع الوزارات وقانون الإدارة المحلية 107، عبر سقوف مالية واضحة ولجان تنسيق، مع الحفاظ على استقلال الصناديق السيادية والتنموية المحلية بعيدًا عن نطاقها.
أما تأثير الهيئة على الاستيراد الاستراتيجي، فيكمن في تعزيز الأمن الغذائي والطاقوي من خلال مناقصات موحدة تضمن جودة القمح واستقرار إمدادات الوقود، بالتنسيق مع هيئة المنافذ والجمارك واللجنة الوطنية للاستيراد. ففي وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات بسبب التوترات الإقليمية، توفر الهيئة آلية لفض العروض بكفاءة، مما يحدّ من الاعتماد على صفقات طارئة مكلفة ويُسرّع التخليص الجمركي. ومع ذلك، يظلّ السؤال مفتوحًا حول مدى مرونتها أمام التحديات الخارجية، حيث تتجنب فرض نفوذها على المنظمات غير الحكومية أو الصفقات الخاصة، محافظةً على ديناميكية السوق. هذا الإطار يُشبه نماذج دول مثل مصر والعراق، لكنه يحمل طابعًا سوريًا يركز على التعافي السريع.
أخيراً، يُمثّل إحداث هيئة الإمداد والتوريد رهانًا جريئًا على الإدارة المركزية كمحرك للكفاءة الاقتصادية، مع إمكانية تطويره نحو نموذج هجين يجمع الرقابة بالابتكار الرقمي. إذا نجحت في لوائحها التنفيذية، ستُسهم في استقرار الأسعار ودعم التنمية، لكن الفشل في حل التضاربات قد يُعيد الفوضى. الوقت وحده سيُظهر ما إذا كانت هذه الخطوة بوابة لاقتصاد سوري أكثر تماسكًا، أم مجرّد إعادة ترتيب بيروقراطي.

